Thursday, May 24, 2012

الثورة ...و الكباب


لم يكن أشد المتفاءلين الداعين لتظاهرات الخامس و العشرين من يناير لعام ٢٠١١ يتوقع أن تطور الأحداث الى ما الت اليه . لم يصل أقصى خيالاتهم جموحاً لإدراك أن مصر على أعتاب أهم ١٨ يوم في تاريخها الحديث و أن المصريين (بعد أن أنهكهم الاستغلال و الفقر و الجهل و المرض) مازالوا قادرين بعد كل هذه السنين أن يرسلوا للعالم أجمع رسالة مفادها أن "الانسان" مازال حياً في مجتمعهم ........و على مدار أقل من 3 أسابيع تطورت تظاهرات معدة لها مسبقة و معلن عن تاريخها و أماكن تجمعاتها بالتفصيل إلى ما يمكن اعتباره أول ثورة شعبية مليونية في القرن الواحد و العشرين ، و نقطة فاصلة في تاريخ مصر مازلنا نعيش في ظلال اثارها المباشرة و تبعات أحداثها حتى الان . قد يبدو بيديهياً  هنا أن نتساءل : هل أخطأ من قللوا من حجم هذا الحدث في بدايته ؟ (سواء كانوا من أركان النظام السابق و أجهزته الأمنية أو من المحللين السياسيين أو حتى من المواطنين العاديين) ، في اعتقادي أن أوان هذا السؤال قد ولَّى الان..السؤال الأكثر وجاهةً (بل و الأكثر الحاحاً) هو....هل "أدرك" الفاعلون الأساسيون  الحدث ما قاموا به فعلاً ؟ هل وصل إلى وعيهم قيمة اللحظة التي صنعوها -هم أنفسهم-  بأيديهم و دمائهم ؟...

للإجابة على هذا السؤال يجب علينا أن نسقط و لو مؤقتاً تأثير الطرف الفاعل  "الاخر"  من المعادلة تماماً، أياً  كانت ماهية هذا الطرف الاخر ؛سواء كان "قوى الثورة المضادة"(على حسب التعبير الصحفي) ..."الفلول و بقايا النظام السابق" ..و حتى حزب الكنبة ، ذلك على الرغم من أن رأس حربة هذا الطرف قد يبدو هو الممسك بمقاليد الأمور الان في الدولة المصرية (و أعني بذلك المجلس العسكري) .هذا الاسقاط المتعمد ليس إغفالا أو تقليلاً من ثقل وقوة تأثير هذا الطرف و لكنه محاولة لطرح رؤية للواقع المصري من زاوية مختلفة أزعم أنه لم يتم اعطاءها ما تستحق من دراسة حتى الان ، أستند بصورة أساسية في هذا الطرح المختلف على سببين رئيسين :

أولاً:أنه من السذاجة بمكان مجرد التفكير أن القوى التي حركت هذا الحدث في 25 يناير 2011 لم تكن لتجد ما يقابلها من قوى مضادة (سواء كانت هذه القوى جزءاً من هذا النظام...مستفيدة منه ...أو حتى مجرد قوى تقليدية محافظة لا تستشعر راحة أو اتفاقاً مع هذا النوع من التغيير الثوري الجذري . ليس هذا فحسب ؛ و لكن البكاء و النحيب على وحشية و لاأخلاقية ما تمارسه هذه القوى المضادة و هي تخوض معركة بقاءها يبدو مثيراً للشفقة إلى أبعد حد .

ثانياً: أنه يبدو أن فريقاً ليس بالقليل من المعسكر الثوري قد نجح -عن قصد أو دون قصد- في تصدير فكرة أن الاخفاقات المتعاقبة الذي يعاني منها الثوريون يلام فيها فقط معسكر "الشر" -إن جاز التعبير- و أنهم قد قاموا بما يجب أن يقومون به من مسؤليات تجاه ثورتهم و لكن الأشرار يرفضون أن يدعوهم و شأنهم !!! ....خطورة هذه الفكرة لاتكمن فقط في المبالغة في تقدير قوة الطرف الاخر و لكن أيضاً في كونها تقف حائلاً بين الثوريون و بين التقييم السليم لأفعالهم و خياراتهم و من ثم جعل الباب مفتوحاً لتكرار نفس الأخطاء المرة تلو الأخرى .........و هذا -للأسف الشديد- ما حدث بالضبط !

إذاً...فالذي يعنينا في هذا السياق هو ما قام به الفاعل الأساسي -الثوريون- (و الوصف هنا نسبة لارتباطهم بالظاهرة الثورية في حد ذاتها و ليس بسبب فكري أو "أيديولوجي") .و لتقييم ما حدث خلال قرابة السنة و5 شهور يستلزم تحديد  محطات محددة على الطريق كانت هي الأكثر تأثيراً في رسم ملامحه .

المحطة الأولى :  أول و أفضل المحطات .و هي التي  امتدت منذ 25 يناير 2011 و حتى  الاستفتاء في 20 مارس. يبدو لي أن تلك الفترة التي تنقص قليلاً عن شهرين هي الفترة الوحيدة التي أدرك المصريون فيها أنهم فعلاً قاموا بثورة .كان بديهياً إدراك هذه اللحظة بعد أنهار الدماء التي تدفقت في ربوع مصر يوم جمعة الغضب 28 يناير ، ثم موقعة الجمل في يوم 2 فبراير . و من سخرية القدر أن الاجراءات الوحشية التي اتبعها النظام في معركة بقاءه كانت هي السبب الرئيسي في أن يدرك "التحريريون" في مختلف ميادين مصر  أنهم في بالفعل في "ثورة" ، و من ثم كانت مطالبهم على مستوى الحدث ،إذ لم يكتفوا فقط بالمطالبة باسقاط رأس النظام و لا حتى أركان النظام كله ، و لكن أعدوا قائمة متكاملة من المطالب الثورية (و ليست الاصلاحية) كاسقاط الدستور و عمل دستور جديد و انهاء وجود جهاز "أمن الدولة" المعروف بتاريخه القمعي . 

المحطة الثانية : بداية النهاية (أو السقوط الاسلامجي) . استفتاء مارس  2011  و حتى ما قبل أحداث محمد محمود . هنا (و مبكراً جداً) بدأ الاستقطاب المدني الاسلامي نتيجة لاختلاف الموقف من الاستفتاء . و ألوم هنا بكل صراحة و وضوح "التيار الاسلامي" بكافة طوائفه بدق أول  مسمار في نعش الثورة . ليس فيما حدث من الترويج لـ"نعم" في الاستفتاء بأساليب دعائية فجة باستخدام الدين (فهذا عَرَض للمرض الأساسي) و لكن في ضيق الأفق و فقر الخيال و انعدام الوعي السليم للحظة التي تمر بها البلاد . لقد بدا أن الاسلاميين على استعداد للتضحية بأي ثمن لمجرد الحصول على انتخابات مبكرة ! المثير للدهشة - و هذا رأي أي متابع محايد - أنه تحت أي ظرف كانوا هم من سيحصدوا الأغلبية في أي انتخابات تجرى لأسباب يطول شرحها و يمكن تلخيصها مبدأياً في التنظيم و الاستعداد، و لكن على الرغم من ذلك لعبوا بمنطق عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة !!! دون أن يدرك السادة المحترمون أن هذه في الأساس  لحظة قطع الشجرة التي نخرها السوس لزراعة شجرة جديدة قوية ..سالت أزكى الدماء لترويها.استمر التيار الاسلام السياسي (و في مقدمته الاخوان) في المشي في نفس الطريق دون أدنى اعتبار للمذابح التي كانت تحدث بشكل أفظع بمراحل حتى من أيام مبارك ، بداية من أحداث البالون ثم ماسبيرو فمحمد محمود .بدا واضحاً في هذه المرحلة أن العزم الثوري يفقد قوته رويدا رويدا. بدأ ذلك بهذا الانسحاب الاسلامي المفاجيء...ثم أتبعه الضربات المتوالية من العسكر على الظهر العاري للثوارحتى بدا من المتوقع خلال شهور قليله أن نرجع مرة أخرى لعصر التظاهرات ال"عشرية" على سلم نقابة الصحفيين ( نسبة لعدد المتظاهرين الذي لا يزيد عن عشرات)

المحطة الثالثة : أحداث "محمد محمود" و مجلس الوزراء  (نوفمبر و ديسمبر 2011) لم يفقد بعد أنبل ما في هذا الوطن إيمانهم و تضحياتهم . و رغم الغدر الاسلامجي و الطعن العسكري و السكوت الشعبي (يا ليته سكوت..بل إهانه و تشفي ) أكملوا طريقهم بثبات تحت شعار ثوري واضح " يسقط حكم العسكر"....و على قدر ما سال مرة أخرى من دماء نقية طاهرة استطاعوا أن يقتنصوا من براثن العسكر - دون أي مساعدة من أي أحد كان - تحديد ميعاد واضح و قاطع لتسليم السلطة من خلال انتخابات الرئاسية في يونيو 2012 .تزامن هذا مع الانتخابات البرلمانية . و إذ بنا نفاجيء أن القوى الثورية "المدنية" المعول عليها تعويلا كاملاً بعد الانفصال الاسلامي تتناحر و تتشاجر فيما بينها و كأننا في انتخابات اتحاد طلبة مثلاً أو اتحاد ملاك بناية سكنية ! لتكتشف أن المشكلة لم تكن فقط في الاسلاميين و لكن في المتصدرين للمشهد (من محترفي السياسة ) ...و بدلا من أن يتناقشوا في امكانية الانسحاب من انتخابات يديرها من تلوثت يده بدماء شباب لم يكن أصلاً ممكناً من دونهم لهؤلاء الذين يطلق عليهم "ساسة" أن يترشحوا فيها نجدهم و قد اختلفوا فيما بينهم بدون أدنى تنسيق أو اعتبار للظرف الدقيق و قرروا نزول الانتخابات بل و  تحت قائمتين منفصلتين (الكتلة المصرية و الثورة مستمرة)  !!!!!!!! و كانت النتيجة هذا البرلمان الموقر الذي نتابع جلساته مع القليل من اللب و الفيشار .

المحطة الأخيرة : انتخابات الرئاسة "السقوط الأخير" ،لن أخوض في الحديث حول  المادة 28 الكارثية و التي تجعل اللجنة الرئاسية محصنة ضد أي طعن قضائي ، و لن أسهب في وصف  عدم وضوح الؤية حول  صلاحيات الرئيس المنتخب ، و لن أتكلم حتى عن قانون العزل السياسي الذي تذكره "البهوات" أعضاء البرلمان فجأة عند ظهور البعبع "عمر سليمان" في الصورة مرة أخرى و الذي كان من المفترض أنه أصلاً من مطالب الثورة الاساسية منذ أكثر من عام ...و لكن ثورة؟؟؟ كل عام و أنتم بخير . في الواقع لن أتكلم عن كل هذه الفجوات التي يصل حجم أصغرها لحجم الهاوية السحيقة . و لنفترض حسن النية في مرشحينا الموقرين (مرة أخرى أتحدث عمن يطلق عليهم اسم مرشحي الثورة ، و أعني تحديداً..أبو الفتوح ،صباحي،خالد علي،الحريري،البسطويسي) . سنقول أنهم اثروا أن يكونوا براجماتيين (عمليين) و أن يلعبوا اللعبة حسب قواعدها العاليه و بكل هذا العوار أملا في تحقيق مكسب أفضل في النهاية . فتوقعنا مثلا اتحاداً أو تنسيقاً فيما بينهم ...توقعنا من هؤلاء "المناضلين" ذوي التاريخ المشرف فريقاً رئاسياً ثورياً إعلاءاً لمصلحة الثورة التي يتشدق كل منهم بأنه مرشحها ! لنفاجأ في النهاية أن المرشحين المحسوبين على النظام السابق   عددهم اثنين فقط ، و ان المرشحين -اللامؤاخذة- الثوريين خمسة أو أكثر !!!!!!!!!!!!!!! أي عبث و استهتار هذا ؟! أي نرجسية و حب للذات !!! شباب ضحوا بحياتهم و شباب ضحوا بنور عيونهم ..و شباب ضحوا بحريتهم ...و يرفض هؤلاء مجرد التنازل عن حلم بسلطة منقوصة و غير واضحة في الاساس !

في الفيلم المصري الشهير "الإرهاب و الكباب" المُنتَج عام ١٩٩٣ ...يجد المواطن "أحمد فتح الباب " (يقوم بدوره الممثل عادل إمام) نفسه ممسكاً بسلاح الي (انطلق منه بضع طلقات عن غير قصد منه) و متحكماً في دور كامل من أدوار أكبر مبنى حكومي في العاصمة ..و معه عشرات من الرهائن !!! لا تمر دقائق معدودة و حتى يحضر أكبر رأس في المنظومة الأمنية في البلاد (وزير الداخلية) تحت المبنى و ينجح في فتح قناة اتصال مع "فتح الباب" ليسأله عن طلباته لحل الأزمة في أسرع وقت ممكن . يفكر الرجل قليلا...جل ما كان يحلم به هو أن ينجح في نقل ابنه من مدرسة بعيدة لى مدرسة قريبة من المنزل ..لم يدر بخاطره كل ما حدث اطلاقا  هذا هو بالضبط ما حدث في الثورة ....فلقد وجد السياسيون المصريون أنفسهم فجأة في صدارة المتحكمين في  عزم ثوري هائل انطلق من سواعد و عقول و دماء  شباب امنوا بقيم و مباديء عليا دون أي مطلب أو مطمع شخصي... شباب نقي معظمه لم يمارس أصلاً السياسة من قبل و إنما حركته انسانيته و طموحه بل و وعيه العالي مطلبات زمنه و ادراكه للحظة خطيرة و فارقة من عمره و عمر وطنه ... حدث هذا و بقية أفراد الشعب كالرهائن في الفيلم  في انتظارتصرف الأمثل ..و القابضون على السلطة في انتظار مطالبهم ...فماذا فعل هؤلاء الأبطال  حفظهم الله لمصر و لنا ؟؟؟؟؟؟


فعلوا بالضبط ما قام به "فتح الباب"  انساق وراء  أقصى خيالاته  و خيالات الرهائن جموحاً........وقفوا...و بكل حزم و ثبات ..و بكل إيمان بمطالبهم و "ادراك للحظة الفارقة"....  وقفوا وجها لوجه أمام  الظالم الغاشم ..ثم ............... طلبوا "كباب و كفتة" !!!



2 comments:

  1. حدود التحليل وعبقرية الثورة
    ما أعطاه الشعب من شرعية للثورة يستعصى على الإحتواء


    رصد دقيق ولكنه تلبس خطاب المعقول السياسي والثورة أساسا لم تكون لتوفيق هذا الممكن السياسي قبلها الثورة جاءت لتعريته تماما وأثبات عجزة الكامل على صياغة مستقبل




    الثورة تستدعى مقولة النفرى "سلنى عن كل شىء ولا تسلنى عني" فكنه الثورة سرمدى المدى وبمقدار تعقد شفرتها يكون مداها الثورة المصرية فرضت بشروقها تهيب عصى على الاحتواء لا تستطيع العين التحديق فيها وأن تجاسرة بالشوق ستصاب بالعمى، الثورة ليست مفعول به أنها الفاعل بيد الفعال لمايريد

    تشابهت نهاية تحليلك مع كلمات فى بداية الثورة للأستاذ محمد حسنين هيكل ليس بوصفه صحفى ولا محلل سياسي فهذا رجل ناب من أنياب العرب بتعبير ما قبل الإسلام وعندما تكلم تكلم فى سياق من إدرك الثورة ولكنها أستغلقت عليه والسبب فى ذلك لا يعود الى نقص فى المعلومات ولا غياب الإدوات التحليلية أو تأثر القدرات العقلية بحكم السن بل هى مشكلة خطاب هذا هو ممكنه السياسي فبنية الدولة هى الجوهر السياسي فى هذا الخطاب لا الشعب

    الذى جعلت منه الثورة اللاعب الإساسى فى بنية الخطاب الجديد وهذا شعب يمتلك من حنكة الصنيعى وصبر الفلاح ما يغطى هلامية نخبه وهجانة خطاب نخبه وهذا الشعب لا يستمع لكل هذه الخطابات العقيمه هو يصدق فقد شهدائه ومصابيه وسيكون كما شاءوا المأزق فى الحقيقة مقلوب هو مأزق بقايا النظام لا الشعب

    ReplyDelete
  2. I read it twice Sharif , the first one before the election drama , and the second time now , BE blessed , for your pre-vision to the scenario that had been written earlier , and we should be now feeling proud by our "Déjà vu" ,we deserve it !
    let's play back the old regime... I'm depressed to the max :(

    ReplyDelete