Monday, May 24, 2010

..حزمني يا



لا أدري لماذا تذكرت إليوم في ذلك المشهد المعبر من مسرحية "حزمني يا" والذي كان يطل علينا في بيوتنا يومياً في اواخر التسعينات من القرن الماضي إبان عرض المسرحية من خلال اعلانها التليفزيوني (كان اسمها في بدئ العرض "حزمني يا بابا" و لكن دعاة الفضيلة في بلدنا رأي أن في ذلك مهانة لقيمة الأب أن يقوم بتحزيم بنته فحذفوا كلمة"بابا" !..ذلك بالطبع قبل أن يقوم أحد ال" باباهات" في وقت ما بعد ذلك بالدفاع عن بنته في الفضائيات بعد أنا تزوجت عرفياً من أحد الممثلين الشباب و حملت منه و رفض هو أن يعترف بالطفل !)... تذكرت ذلك المشهد عندما يظهر محمد هنيدي -الممثل الشاب النصف مشهور وقتها- أمام الممثل القدير حسن حسني - والذي كان قديراً حينها بسبب شعره الأبيض لا أكثر ولا أقل وذلك لندرة اعماله قبل هوجة الأفلام الكوميدية ما بعد" اسماعيلية رايح جاي"- يقف هنيدي أمامه مرتدياً نفس الزي..المصري الأصيل ...جلابية مخططة من قماش الكستور -الذي لا أعتقد أن دولة في العالم إستخدمته في صنع البيجامات والجلاليب كما فعلنا- وطاقيه من نفس قماش الجلابية واللتي كانت معظم سيدات البيوت في مصر يقمن بحياكتها من الجلابية نفسها بحكم إن الجلابية دائماً ما تكون أطول بقليل ممن سيرتديها ....يقف هنيدي أمامه ويبدو على حسن حسني قمة المفاجئة ...وهو يسأله "إنت مين ؟؟؟" ..فيرد عليهي هنيد بكل ثقة..."أنا قرينك يا زواوي"....فيرد حسن حسني بكل تلقائية "اشمعنى أنا قريني إلي يطلع قصير !" .....

لم يتعجب حسن حسني من إجابات هنيدي-وكأننا نلقي العفاريت كل يوم -ولم يشكك فيها أيضاً ....بل ولم يستعجب من كونه إلتقى قرينه بعد ما بلغ من العمر أرذله ....لم يتناقش أصلاً في ماهية القرين ....كل ما أثر حنقه أن قرينه طلع قصير !!!!!!

ثقافة "اشمعنى " !!!!!....يعني نحن كمصريين مستعدين أن نتعرض لأي شيء ...أي شيء كان .....ولكن إذا رأينا جار أو صاحب أو صديق أو حتى غريب لا يعاني من نفس الشيء...وقتها فقط نبدأ في التذمر !!!

هذا بالضبط ما حدث بعد عقوبات الفيفا على مصر اثر أحداث الشغب ضد حافلة المنتخب الجزائري ...والتي ثبت أنها حدثت بالفعل بعد كمية الكذب والتضليل التي تعرضنا لها لمدة ٦ شهور متواصلة !!!!كان جزء كبير من الغضب الشعبي والإعلامي بسبب هذا -وهو شيء لا أنكره- ولكن كان هناك قطع عريض من الشعب يرى "واشمعنى هما محصلهمش حاجة بعد إلي عملوه في السودان !!!!"مرة أخرى.."اشمعنى"!!!!!!

ولثقافة اشمعنى خاصية غريبة عجيبة ...فهي لا تظهر إلا في المصائب والكوارث اللتي تصيبنا ...وهو مايجعلك تتسائل عن هذا الحقد والغل والسواد الذي نعبئه في نفوسنا..فنحن مثلاً لم نتسائل..لماذا أصبحت دولة مثل كوريا- كنا نبعث لها بمعونات منذ أقل من ٥٠ سنة-...أغنى و أكثر رفاهية مننا ...ولم نتذمر على المقاهي و في البيوت و نحن نرى الديمقراطية في الهند بعدد سكانها الذي يساوي أكثر من عددنا مضروبا في ١٠ .....ولماذا تقول إيران لأمريكا "لا" بكل صفاقة ورئيسنا المبجل يرى معارضة - مجرد معارضة - أمريكا في رأيها كمن يضع رأسه في فم الأسد !!!!!! ( يمكن الأسد بيحب اللحم المصري مش الإيراني ..الله أعلم !)

لا أريد أن اتجنى على "اشمعنى" ..وثقافتها المتوغلة في أعماقنا ....بل وأزعم أنه في وقت ما قبل ٣٠ سنة أو أكثر قليلاً ...كنا نقول اشمعنى مثلاً بجانبها الإيجابي أيضا .كنا نقول إشمنعى مثلاً عندما تصل كل دول شمال افريقيا لكأس العلم مرة وإثنان وثلاثة ونصل نحن مرة يتيمة في أخر ٦٠ سنة بعد طلوع الروح كنا نقول اشمعنى عندما يسافر أحدنا بلد أجنبي وينبهر بالنظافة والرقي ...ويقارن بالوضع المزري في بلدنا..أملا أن نصبح مثلهم في يوم ما .......كنا نقول اشمعنى أيضا عندما نسمع عن واسطة لإبن مسؤول معين بتعين في أحد الوظائف اللتي تقدم إليها عشرات الشباب يتفوق نصفهم عليه في كل شيء ويتفوق هو عليه كلهم في إسمه الأخير فقط ...!!! ....كنا نقول اشمعنى علها تدفعنا للامام..أو بدافع الغيرة على الأقل ....ولكن..على العكس من ذلك ...اصبحنا نقولها فقط في المصائب ..لم نعد نتمنى لأنفسنا الخير الذي أصاب غيرنا ..و لم نعد نشعر بأي ضيق من حق أصيل لنا اغتصبه الغير بدون أدنى وجه حق ...اصبحنا نقول اشمعنى -فقط- لأن شر أصابناو يا للعجب !!!- لم يصب غيرنا !!!!!!

لقد توغل الفساد والعطن في جسد بلادنا ...نخر في عظمها ولوث جميع شرايينها...تهاوت جميع مكونات الدولة وسقطت في مستنقع من العفن يبدو أنه لا أمل من فرج قريب منه ....بل ويبدو اننا لازلنا ننحدر إليه أكثر وأكثر ..ونزداد غرقاً فيه مع مرور الأيام ....بل و نضح على حياتنا المادية فأوشكت مدننا على الغرق في بحور من القمامة اصبحنا حتى لا نشمئز منها ...و فسد الطعام بكل أنواعه ..تلوث الهواء في كل براح ....وحتى الماء أوشكنا على فقدانه ...رحمة به ..بعد ما يئس من تنظيف كل هذه القذارة التي غطت الأرواح قبل الأجساد.....

لقد خسرنا -بالفعل- بعضاً من الجوانب الإيجابية لثقافة "اشمعنى " ...ولكن للأسف ...هذا أهون شيئ خسرناه.





Friday, May 21, 2010

عندما التقى دالي بــ ديزني-Destino



حفل عشاء هوليودي تقليدي عام 1945 أقامه Jack Warner المنتج الأمريكي الشهير و صاحب احدى كبريات شركات الإنتاج السينمائي في العالم-Warner Bros- شهد بداية التعاون بين اثنين ممن سيصبحوا فيما بعد من أهم من صاغوا ملامح الفن في القرن العشرين ....المنتج الأمريكي الأسطوري "والت ديزنيWalt Disney " و الفنان الأسباني السريالي المثير للجدل دائما "سلفادور دالي Salvador Dalí, " .

تقول بعض الروايات أن بدايات التعاون ترجع الى العام 1937 ذلك عندما كتب سلفادور دالي خطابا لأحد أصدقاءه يخبره أنه قرر السفر للولايات المتحدة لمقابلة 3 من كبار الفنانين الأمريكيين في ذلك الوقت سيسل دي ميل و الأخوة ماركس ..و الواعد –وقتها- والت ديزني .و لم يمض بعدها و قت طويل حتى زار دالي هوليوود و التقى بديزني الذي فيما يبدو انسجم مع رؤيته الفنية و أفكاره الخلاقة ...يقول ديزني "أفكار القصص الجيدة لا تاتي بسهولة ..بل و تحتاج أن تجاهد كي تظفر بها ...و لكن دالي سهل جدا التواصل معه ..فالأفكار الجيدة تنبعث منه !"،و لكن على الرغم من هذا الإعجاب الفني المتبادل إلا أن ظهور عمل مشترك بينهما تأخر حتى ذلك العشاء الذي أقامه وارنر في أواسط الأربعينات !وقتها كان ديزني يقوم بأنتاج العديد من الأفلام القصيرة للعرض السينمائي ..و كان من ضمن ما أثاره أغنية شعبية مكسيكية تحمل الاسم Destino و هو ما يعني "المصير " بالإسبانية رأى فيها ما قد يصلح لإنتاج عمل سينمائي موسيقي على أساسها ..و قام بدوره بعرض الفكرة على دالي الذي تحمس لها و وافق على البدأ في تنفيذها.


بدأ التعاون الفعلي في أواخر العام 1946 حيث أصبح دالي شبه موظف في استديوهات ديزني – و لمدة 8 شهور متصلة – يصل صباحا في الثامنة و النصف و يبقى حتى الخامسة عصرا ..يقضي –بصحبة الفنان الأمريكي John Hench – وقته في محاولة إحياء تلك الفكرة التي أطلق هو نفسه عليها "ما سوف يقدم للعالم أول رؤية حية للراحة النفسية " لسوء الحظ و لنتيجة بعض الظروف المالية الناتجة عن اثار ما بعد الحرب العالمية الثانية تم إيقاف المشروع لأسباب غير معلومة و حرمت البشرية لمدة تزيد على النصف قرن من مشاهدة نتاج هذا الإبداع بل و تاه المشروع تماما في بحور النسيان !



حتى كان العام 1999 و في أثناء إنتاج فيلم fantasy 2000 عندما عثر Roy Edward Disneyروي إدوارد ديزني – ابن اخ والت ديزني – و أحد كبار المسئولين في الشركة على ذلك المشروع الخامد و قرر إعادته للحياة ...و بالفعل ظهر الفيلم للنور عام 2003 ...بعد أكثر من 40 عاما من وفاة والت ديزني و حوالي 20 عاما من وفاة دالي !المثير للسخرية أن الفيلم كان مقررا أن يكون جزءا من مشروع جزء ثان لفيلم Fantasia 2000 و هو فيلم بعنوان Fantasia 2006 و للأسف تم ألغاء ذلك المشروع أيضا ..و لكن شركة والت ديزني قررت أن تطرحه بالفعل كفيلم قصير ..مثلما بدأ العمل به منذ 54 عام .



تم عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان أنسي الدولي لأفلام التحريك Annecy International Animated Film Festivalعام 2003 و نال استحسان الجمهور و النقاد بل و استطاع الحصول على العديد من الجوائز فيما بعد ، توجها بالترشح لجائزة الأوسكار كأحسن فيلم رسوم متحركة قصير في نفس العامDestino تحفة سمعية و بصرية تستحق الدراسة بعدما تحدت الزمن طيلة تلك الفترة بل وأثارت إعجاب الملايين بنفس قدر الحماس الذي بدأها به صناعها منذ أكثر من نصف قرن .و على الرغم من عرضه بصورة محدودة للغاية في دور العرض السينمائي كسائر الأفلام القصيرة ..و على الرغم أيضا من أن صناع الفيلم –ديزني ،دالي و هينش -لم يستطيعا أن يروه في حياتهم ...و حتى الرجل الذي أعاده للحياة –روي ديزني -و الذي توفى بعد أقل من عام من عرضه للمشاهدة المنزلية في الولايات المتحدة يبقى فيلم Destino تحفة سمعية و بصرية تستحق الدراسة بعدما تحدت الزمن طيلة تلك الفترة بل وأثارت إعجاب الملايين بنفس قدر الحماس الذي بدأها به صناعها منذ أكثر من نصف قرن . .

____________________________________

أترككم الأن مع مشاهدة الفيلم على الرابط التالي :اضغط هنا