Skip to main content

ذكرى مستقبل بعيد



تقع مدرستي- تلك التي قضيت بها جل أعوام دراستي عدا سنتين قضيتهما في دولة عربية- في جزيرة الزمالك . واحدة من أرقى مناطق القاهرة إن لم تكن الأرقى على الإطلاق حيث تنتشر القصور و الفيلات من عهود ما قبل ثورة يوليو على الرغم من أن أغلبها الان ليس معمورا و إن كان فهو في الأغلب قد تحول الى سفارة إحدى الدول الأجنبية أو العربية و التي أضاف تواجدها الكثيف في هذة الضاحية الهادئة هدوءا و وقارا لم تكن تنقصهما . ذلك المزيج الغيرمعتاد –في "قاهرة ما بعد الانفتاح" إذا استطعنا أن نسميها هكذا- من قيم إنسانية رفيعة بل و أنماط متفردة من السكان ينقسمون في الأغلب الى قسمين .... أولهما نوع معين من المصريين - بحكم الأصول الأستقراطية العريقة – ذلك النوع الاخذ في الإنقراض رويدا رويدا بالهجرة خارج البلاد حينا و بالتعرض لعوامل التعرية الاجتماعية القاسية في مصر كالهجمات المتوحشة لأثرياء العصر الساداتي و المباركي الذين هبطوا على الزمالك كغيرها من الأماكن بالبراشوت و مازالوا ، و النوع الثاني من الأجانب المنتشرين في أنحاءها بحكم عملهم في سفاراتها الأجنبية و الذي أتاح وجودها أيضا نوعا من الانتقائية في نوعية الأجانب المقيمين بها تظهر جليا عندما تقارنها بنوعية الأجانب المنتشرين في مناطق أخرى أقربها "وسط البلد" على سبيل المثال .

المهم أن تلك الشخصية المتفردة لل"زمالك" مضافا اليها ذكريات الطفولة الجميلة التي رسمت ملامحها في ذلك الماضي البعيد زمنا و القريب حنينا خلقت لدي حالة من العشق الأبدي لكل شوارعها و مبانيها و غرست داخل نفسي شعورا راسخا بالانتماء قلما شعرت به في أي مكان اخر .

ذكريات ذلك الزمن وما بعده لا تخلو منها روحي ...نعم ..فالذكريات تسكن الروح و لا شيء اخر ...كل ما نمر به سواء كان مبعثا للسعادة أو الحزن ...جالبا للفرحة الخالصة ..أو مشوبا بخوف لا سبب له يترك بصمته على أرواحنا ..و إن أضفت على ذلك الطبيعة اللينة لنفس طفل ظل يجوب هذه المنطقة طيلة ال 16 عاما الأولى من حياته يوميا ..فلك أن تتخيل ما فعلته ال"زمالك" بروحي ....

كنت طيلة عمري من المتفوقين علميا في المدرسة ..و هذا أتاح –من ضمن ما أتاح لي- أن أكون دائما تحت منظار مختلف المدرسين في مدرستي فكان مدخلا لاشتراكي في العديد من الأنشطة التعليمية حتى و إن لم تكن مرتبطة بالتفوق الدراسي ...و بالنظر الى تلك الوقائع الان أرى أنها كانت محاولة منهم لإتمام وظائفهم لا أكثر و لا أقل و كنت أنا أستخدم فيها بنجاح المرة تلو الأخرى ..و هذا و إن كان يحمل نوعا قبيحا من الاستغلال المقنع ..فهو – و هذا لا شك فيه – قد أتاح لي كطفل صغير منابع مختلفة و متعددة من التجارب النادرة أجد نفسي الان في أشد الأمتنان أنني قد خضتها .

بعيدا عن تأثير هذة التجارب و "بصمتها" على روحي ...بل و بعيدا على ماهيتها من الأساس ....تلح علي دائما تلك الذكرى الضبابية ..و التي كانت عاملا مشتركا فيها جميعا ...تلح هذه الذكرى بطريقة تجعلها عصية علي ألا تسكب على الورق ..ليس نزعا الى التخلص من هذا الالحاح –و هو مستحيل علي أية حال- و لكن في اعتقادي هي محاولة لترك الأثر لم يستطع أي انسان مقاومتها منذ قام أجدادنا الأوائل بنقوشهم على جدران الكهوف في زمن سحيق ..و حتى الان .

أتذكر .. أتذكر ذلك الوقت جيدا ...ما بين صباح يغادر على استحياء ..و شمس ظهيرة تتأهب في روية للجلوس على عرش السماء ...أكون قد حضرت طابور الصباح و قمت بدورى في إذاعة المدرسة ..و حضرت أولى حصص اليوم الدراسي أيضا ...ثم يأتي رسول الحرية ...المدرس الذي سيرافقني الى مكان هذة المسابقة أو تلك..و معنا زميلتي الثالثة ....كنا دائما ثلاثة ...تتغير الأحداث و يتغير الأشخاص ....تدور السنين بين طفل خجول و مراهق شارد ..و نظل ثلاثة ....و تظل هي دائما ثالثتنا ...وجه نضر و ابتسامة صبوح لطفلة بريئة ...كانت شوارع زمالكنا تتعبد في خشوع و صمت أمام سلطان شمس الصباح..و كانت ضحكاتها الرقيقة ممتزجة بنسيم الشتاء البارد و رائحة هجرة الندى من أوراق الأشجار المتمايلة يصنعون معا أبهى حلل موسيقى يغرق فيها المكان بتبتله تحت مملكة السماء الزرقاء ...

لم تكن هي دائما نفس البنت ...و لم يكن المدرس نفس المدرس ...و لم تكن وجهتنا واحدة في كل مرة ........و لكني كنت هناك ...كنت دائما هناك ...لعلها الروح النقية لطفل صغير هي ما أحاطت بالحدث ...و لعلها يد الماضي العجوز التي لا تلبث أن ترفع كل ما تلمسه الى درجة الكمال ...أو لعله ذلك العقل الطاهر الذي لم يستوعب قط ما قد يغير نقاء تلك الحياة ...لا أدري و لكني كنت هناك ....

هي ذكرى مرورنا أمام ذلك المطعم الاسيوي الصغير في ذروة هذه النشوة ....و ذلك الملصق الذي كان يعلقه من أوائل التسعينات عن استضافة في كوريا الجنوبية و اليابان لكأس العالم لكرة القدم عام 2002 .... ذلك المستقبل البعيد جدا حينها ....ذكرى ذلك الملصق لا تبرح روحي أبدا ....كنت أنظر اليه في كل مرة ..و ذكرى ذلك المستقبل البعيد ..البعيد جدا تراودني...

أتذكر دائما ...الزمالك ...مدرستي ...شمس النهار و سماؤها الصافية ..ضحكاتنا معا على أرض خاشعة ...و أحلام تتحقق لسويعات من الحرية اللذيذة ....نسيم يداعب شعرها ...و حكمة تقطر من كلماته ...و روح دون أن تدري انطبعت بكل هذا للأبد .....و ملصق في الخلفية ...عن مستقبل أتى ...و أمسى حاضرا ...ثم ماضيا يبعد كل يوم ... و لكنه يظل دائما ...ذكرى ...ذكرى مستقبل بعيد .


Comments

  1. you stated once as a status that u are finally proud to meet what u became right now....well i'm proud too to know such a friend which can say just the right words to describe what we all felt towards our childhood memories,, I love zamalek & a love the feeling that comes to me every time I visit the streets we used to walk around as much as i love your words..thank you ")
    reham.soliman

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

د. مدحت المسيري .....قصة تحكى

مازلت تتحسس خطواتك في ذلك الأسبوع الخريفي الثقيل من شهر سبتمبر ...يملؤك الخوف والتوجس من مستقبل مجهول ينتظرك ..بين ارجاء هذه المباني الجامدة...تلاحقك العيون أينما ذهبت ..عيون مستكشفة حيناً ...وعيون هازئة مستخفة في معظم الأحيان ....تحاول قدر امكانك التركيز في محاضراتك مع كل هذا الكم الرهيب من المعلومات ..ومع الزحام الخانق والحر الشديد . بين أستاذه تتعامل بتعال لا تفهمه ..واخرون يتعاملون بإستخفاف لا تخطئه عينك ...محظوظون هم من استطاعوا تكوين صداقات جديدة ب هذه السرعة...أو أولئك اللذين دخلواالكلية مع اصدقائهم بالفعل ......تتولى أيام هذا الاسبوع مغذية شبح الخوف من الفشل بداخلك أكثر وأكثر كل يوم ...و مؤججة نار الحيرة بداخلك كل يوم بين الإفراط والتفريط .ولكنك مازلت تذكر هذا اليوم جيداً....تذكره لأن كان نقطة النور في هذا العام ....يوم دخل ذلك الرجل ذو الملامح الغربية إلى قاعة محاضراتك...وبدفء أبوي شديد بدأ يرحب بك وبزملاءك في الكلية ....معززاً ثقتكم بأنفسكم واللتي أوشكت على أن تفقد باكملها في أسبوع واحد ...ومحذراً(دون ترهيب ) من الإفراط أو اليأس ....ثم منزلقاً في خفة للبدء في مادته العلمية …

حبيبي يامطلع عيني

 حبيبي يامطلع عيني ....
ليه دايما ضارب بوز ...
خلاص نكدت عليا سنيني ...
وشك بقى شبه الكوز ....

ازاي من الأول كنت معاك ...
و مع الكلاكيع اللي جواك ..
ازاي من الأول أنا حبيتك ..
روح الله يخرب بيتك ...

بأصحى من النوم على صوت الهم ..
و أبتدي روحي حزني و غم ....
ياما نفسي يعدي يوم و تحس ...
سيرتك خلاص بتسد النفس !!!

-----------------------------
الأغنية ديه أكيد اتغنت لحد شبهي :))))

أحمد شوبير (أو الرجل الذي لا يرى نفسه في المرآة) - بورتريه

شخصية "أحمد شوبير" حارس مرمى سابقاً و مقدم البرامج الرياضية حالياً واحد من أكثر الشخصيات العامة في مصر التي تستحق التأمل و المتابعة. تاريخه في المثابرة و الصبر في النادي الأهلي وقت ما كان لاعب يثير الاعجاب و (أحيانأ التعجب) . حظه أنه ظهر في فترة وجود حارسين عملاقين "ثابت البطل" و "إكرامي" و توقع الجميع إنه مستقبله انتهى قبل أن يبدأ. و لكنه صبر صبراً غير طبيعي حتى أصبح لقبه في الصحافة المصرية "أيوب الكرة المصرية" فانتظر حتى اعتزال إكرامي ثم ثابت البطل ليحرس مرمى الأهلي و كانت أهم لحظة في مسيرته حراسة مرمى منتخب مصر في كاس العالم 90 . بعدها استمر بضع سنوات الحارس الأساسي للأهلي و لكنه بعد ما عاند مع كل شيء و ثابر و انتصر لم يقدر في النهاية أن ينتصر على الخصم الأعظم.."الزمن"، و في عام 1997 اضطر أن يعتزل (مرغماً) بعد قدوم الحارس الدمياطي الشاب عصام الحضري للأهلي .حتى تلك النقطة الزمنية في حياة "شوبير" من 20 سنة قد تبدو حياته حياة عادية لأي لاعب كرة مصري. إلا إن شخصية شوبير لم تكن على الاطلاق مجرد شخصية عادية. سنة 1997 عند اعتزال…